مهمة الشاعر أن يكون عاطلاً عن أى شئ سوى الجمال.
هذه هي مهمته الأساسية
قبل فترة سقط الشاعر عثمان بشرى من الطابق العاشر بإحدى بنايات القاهرة وعندما سألناه عن ذلك قال: (كُنت مُرهقاً، أردت أن أسقط في السرير، فسقطت في الهاوية)، حدثنا عثمان بلسان تلك الهاوية، عن أعماله وحياته التي يحياها ضد كل أشكال المؤسسة وقص الأجنحة، كما يقول، متجولاً في الكبت والحرية ثملاً بطريقته في الوجود، طريقة الكائن الخلوي، يائساً يتحدث بطاقة يأسه: (كلما أيأس، كلما أتفتَّح وأجبُّ نفسي)، وهو يشهد طباعة كتابيه الجديدين الجزء الثاني من (الكائن الخلوي)، ومجموعة أشعاره الدارجة (توما)، من مطابع القاهرة، يقول: (بين وجهي وقلبي فصامٌ رقيق، يستلذُّ أساساً بعبث الكون) فكيف سنعبر هذا الفصام؟
حوار: أحمد النشادر، مأمون التلب لـ Sudanese INK
في كتابك الذي يمثل الجزء الثاني من (الكائن الخلوي) والذي نحن بصدده الآن، لاحظنا إرتفاع نبرة ساخطة رافضة حيث تقول في أحد النصوص (أبول على كل شئ)، هذه النبرة لم تكن بهذا الوضوح في الجزء الأول من الكتاب الذي إمتصت فيه الموسيقى مثل هذه النبرات، هل واقع ذاتك وما حولك يزداد وضوحاً في الإنحلال أم ماذا؟
حسب حالة العبث الكوني الذي صار أكثر شراسة، وضراوة في كل دروب الحياة، مضافاً إليه أشكال القبح السياسي، والقبح الإجتماعي ، والسقوف التي أملتها وقائع تطور تكنولوجي، وتطور الجريمة نفسها في حيثيات وجودنا البسيط، فمن البديهي بالنسبة لي كواحد ممن يعيشون هذا الواقع ويحسونه، أن يترجم هذا الواقع وجوده داخل النص، وبحكم إحتكاكي الخشن بواقع الحياة فأنا من أكثر الناس معايشة لهذا الواقع، والحضور الغنائي للنص في الكائن الخلوي الثاني موجود وما أختلف هو شكل تناول المفردة نفسها، بحكم شراسة الواقع، وبإختصار في جملة أخيرة كما يقول علماء النفس (من غير الطبيعي أن تكون طبيعياً في زمن غير طبيعي)، فالسخط والرفض في النص مماثل لحركة الحياة اليومية.
نريد أن نعود لفترة القاهرة التي كنت فيها ناشطاً سياسياً، والآن إن جاز التعبير يعود عثمان لقواعده الشعرية المحضة، نريد أن نسألك على ضوء هذه الأصعدة التي تقلَّبتَ فيها،والخبرة بالحياة والكتابة، ما هي مهمة الشاعر؟
هذا سؤال لطيف، مهمة الشاعر بحكم شوفي الشخصي المحض، أن يكون عاطلاً عن أى شئ سوى الجمال. هذه هي مهمته الأساسية.
كيف كانت معايشتك لهذا الكتاب الجديد، نريد أن نتقاسم معك جزء من هذه المعايشة ما أرتبط بها في ذهنك والفترة التي كتبت فيها النصوص، وموقع هذا الكتابة من تجربتك الشعربية ككل؟
هذه النصوص كُتَبت في فترات متباعدة، فـ(المزالق) مثلاً كُتبت بين ثلاثة مدن أسمرا وأديس وموقابي، وكان واقع الحياة السياسية في السودان ينبئ بإنهيار كامل للإنسان بحكم شوفي كخارج عن الدائرة، لأن هذا الموقع أعطاني أفضلية رؤية دائرة الواقع السياسي كاملة وبصورة أفضل، حيث كُنت أمارس نوعاً من الهواية السياسية في تلك الفترة ولم أكن سياسياً مُحترفاً، عملت من خلال الإعلام في إذاعة التحالف وإذاعة أسمرا نفسها، وفي صحيفة الخرطوم التي كانت تصدر من الخارج، كنت أرى بشكل جيد الواقع السوداني الذي كان فائراً بشجارٍ غير موفَّق على الصعيد الإنساني، شجار أطرافه التجمع الوطني الديمقراطي والمعارضة الداخلية والحكومة، وشكل الرهان الذي كان نضالنا من أجله متمثلاً في وجود الحركة الشعبية داخل أضابير السياسة السودانية، وماهو التحول الممكن من مشاركة الحركة الشعبية في القرار السياسي، ومن ثم كنتُ أكثر صدقاً مع كتابتي بحكم التماس المباشر مع الواقع السياسي والإجتماعي، في ذلك الوقت.
بهذا المعنى، هل تعتقد أن ماكتبته في الكائن الخلوي رهين لحظته أم تظل له إمكانية الفكاك؟
سينفك منها بالتأكيد، فهو ليس رهيناً للحظة، بإعتبار أن النص أصلاً قابلٌ لكل أزمنته القادمة ولأنه يرى أكثر، فالنص شايفٌ إلى أبعاد عميقة، وكما يقول في كتابه( عالياً عالياً، مثل شهيق الحسرة) محمد عبد القادر سبيل أن آماد الشعر الشوفية أعمق وأبعد، وأنه ينكتب الآن لكنه يستطيع أن يقرأ لمليون سنة قادمة، وبالتأكيد كل الشعر الحقيقي هكذا؛ صالحٌ لكل الأزمنة.
في الفترة التي بدأت فيها الكتابة كانت مسيرة الشعر في السودان بادئة في الإنفتاح أكثر على ماهو معرفي، أما الآن فمسيرة الشعر مُخترقة أكثر من أي وقتٍ مضى بالشك، الشك في تعريف الشعر والإنسان نفسه، ومخترقة بأشكال معرفية اخرى كالفلسفة والنقد والتشكيل والمسرح والموسيقى، فأين تقف تجربتك من كل هذا؟
يقول كانط بأن الإحساس قبل الشعور باعتبار أن الإحساس بدهي والشعورمادي، بمعنى آخر أن الإحساس موجود في الإنسان بصورة غير ملموسة أما الشعور فهو مادي، ممكن اللمس، النص وأنا اكتبه في فترات سحيقة منذ الثمانينات وبحكم التراكم الخبروي إضافة للقراءات المضطردة. دخلت حقل الفلسفة من باب الهواة فكان تأثيرها علىَّ واضحاً جداً منذ (بارنويا الصعود إلى باطن الأرض، للدم رائحة بلون العصافير، هجرة الروح، شجراً نسير إلى ذاتنا، يذهبون هكذا) نصوص كانت بحجم أن تقرأ فيما هو غيبي ووجودي وما ورائي، وتبحث في سؤال ماوراء الإنسان وماوراء الفهم وما وراء الطبيعة، وكانت تحفر بشكل أركيولجي عملي في السؤال الغامض جداً (من الله؟) و( لماذا أنت، لماذا أنا، لماذا الذات، لماذا الروح لماذا الإحساس بالأشياء الثقيلة تلك التي تسمى الإنسان (كائن)، لماذا (كائن)؟، ونصوصي كانت تحفر في هذه الأسئلة وهنالك مقطع من بارنويا الصعود يرد إلى ذاكرتي على وجه التحديد:
(وأنا أحققني
لأفضح من رماني بالحقيقة أول الأشياء،
علمني بأن دمي فلاة الريح،
والأجساد ورطتها نزوع الفعل،
ثم أقهرني لأدرك بالطريقة ذاتها
أني نهار الرؤية العليا،
وليل الإنفلات الصمت،
رماد إيها الوطن المُصفَّدُ بالبعيد وبالعبيد،
وقابل لعذابك الأهلي ثالوث المغامرة العنيفة،
رجلٌ وإمرأة ودين)
ثالوث عنيف، لذلك كان لابد للنص أن يهبش هذه الثلاثة تابوهات، ومن هنا أرى أن النص كان قادراً على التواجد في مثل هذه الأشياء بالتحديد.
رغم الغنائية التي تنتظم كتابتك، يسميك البعض (يائساً بامتياز) على الأقل من الدخول في السيستم الصارم للمؤسسات،والحياة المهندمة، وتوصف بأنك تعيش حياة بوهيمية تضمن لك التجول في الشوارع الصديقة والعدوة والتجول في الناس والأصدقاء والحرية والكبت على حدٍ سواء، ما أريد أن أعرفه أين يقع هذا من كتابتك؟
شوف، إذا كان النص الدارجي أو الفصيح وأنا لا أميز بينهما من ناحية كتابتي لهما، فالنص الفصيح يؤدي دوره بغنائيته وكل جماليته، كذلك الدارج( الذي أجد نفسي فيه بشكل خاص) بحكم إمتلاكي لقاموس ضخم جداً من الدارجة السودانية بشقيها الهامشي والمركزي (إذا جاز التعبير)، ما يعني أنني عبرت بعيداً في بقاع السودان كما يقول أحد الأصدقاء (العابر الهائل بنعالٍ من ريح)، وطأت قدماى أرض كل فلاة في السودان شماله وجنوبه شرقه وغربه، وبالتالي كونت قاموسية أعطتني قدرة التمطي في النص الدارج تمطي في الشوف والكتابة، لكن بحكم هذا العبور الهائل وأنا في صبا باكر جداً، حاولت المؤسسة تحجيمي وقص أجنحتي فقلت لهم (sorry، أنا شاعر) فليس لي أكثر من أكون شاعر، أنا قصيدة مُتحركة ينبغي أن تكون في كل الأماكن، فالمؤسسة حاولت لكنها فشلت، كذلك الأسرة حاولت وفشلت. وقد كتبت لوالدي رحمه الله نصاً صغيراً وضعته على مكتبه في وريقة صغيرة ( أنا خلقت طائراً، وينبغي أن أعيش طائراً، لاتحدني أمكنة ولا أزمنة) وذهبت عاماً كاملاً خارج إطار الأسرة والمؤسسة وعندما عدتُ قال لي : (إفعل ما بدا لك، ولكن أعلم أنه سيأتي يوم تكون فيه مقصوص الأجنحة) واليوم أنا كذلك مقصوص الأجنحة لكن مع ذلك أفرفر، وقادر على ذلك.
هل تتعامل مع اليأس كطاقة كما يقول بذلك جان جينيه؟
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ